الشيخ عبد الغني النابلسي
95
كتاب الوجود
يحصل الإيمان بشئ من ذلك إلا إذا حصلت المطابقة ، وذلك متعسر جدّا . قلنا : المطابقة في العلم بغير اللّه ، وفي الحكم على غير اللّه تعالى يكفى فيها أن تكون بوجه ، وما هاهنا يمكن المطابقة فيها بوجه ما ، وليس أنها كلها مخلوقة حادثة « 1 » . فالمطابقة بمطلق الصورة كاف في العلم والحكم في غير اللّه تعالى ، وأما في خلق اللّه تعالى ، فما بينه تعالى وبين تلك الصورة التي أراد المتصور حصول العلم معها به سبحانه ، أو الحكم عليه معها ( فغير ) « * » مناسبة أصلا ، ولا بوجه من الوجوه كما تقدم « 2 » . فليس ذلك بعلم به تعالى ، ولا حكم عليه ؛ لعدم المطابقة ولا بوجه من الوجوه ، فما هناك غير القطع بحصول صور التجلي ، وأنه تعالى متجلّ في كل صورة على من شاء من عبادة من غير أن يتغير عما « 3 » هو عليه من الإطلاق الحقيقي ، وإن كان هو تعالى
--> ( 1 ) الفلاسفة يذهبون إلى أننا إذا فرضنا أن المؤثر التام في العالم إما أن يكون أزليّا أو حادثا ، فإن هذا يؤدى في حال أزليته إلى القول بقدم العالم ؛ إذ يجب عند وجود المؤثر التام وجود الأثر معه . وفي حالة تأخره عنه ثم وجوده لم يخل إما أن يكون لتجدد أمر أو عدم تجدد أمر ، والأول يستلزم كون ما فرضناه مؤثرا تامّا ، ليس بتام ، وهذا خلف ، والثاني يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن لا المرجح ؛ لأن اختصاص وجود الأثر بالوقت الذي وجد فيه دون ما قبله وما بعده مع حصول المؤثر التام يكون ترجيحا من غير مرجح ، وإذا كان المؤثر في العالم حادثا نقلنا الكلام إلى علة حدوثه ، ويلزم التسلسل والانتهاء إلى المؤثر القديم . [ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ( 90 ) ] . ( * ) غير موجودة بالأصل ، ووضعناها لتوافق سياق الكلام . ( 2 ) إحداث العالم في الأزل محال ؛ لأن الإحداث عبارة عن جعله موجودا بعد أن كان معدوما ، وذلك يستدعى سبق العدم ، والأزل عبارة عن نفى المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بينهما محالا . [ الأربعون للرازي ( 42 ) ] . ( 3 ) خالق العالم لم يزل موجودا ، قادرا لا يعجز ، وجوادا لا يبخل ، وليس معه ضد يمانعه ، ولا ند يشاركه في المبدئية والخلق ، أو يعينه عليه ، أو يقتضيه به ، أو يسأله فيه ، وإذا كان اللّه تعالى فيما لم يزل قادرا عالما جوادا ، فهو فيما لم يزل خالقا موجدا ، والعالم المخلوق الذي هو مبدؤه -